الشيخ الطوسي

201

التبيان في تفسير القرآن

والعكوف لزوم الشئ مع القصد إليه على مرور الوقت ، ومنه الاعتكاف في المسجد . ثم اخبر تعالى أن موسى لما رجع إلى قومه ، قال لهارون " يا هارون ما منعك ألا تتبعني " قال ابن عباس : معناه بمن أقام على إيمانه . وقال ابن جريج : معناه ألا تتبعني في شدة الزجر لهم عن الكفر . ومعنى ( ألا تتبعني ) ما منعك أن تتبعني و ( لا ) زائدة ، كما " قال ما منعك ألا تسجد إد أمرتك " ( 1 ) وقد بينا القول في ذلك . وإنما جاز ذلك لأنه المفهوم أن المراد ما منعك بدعائه لك إلى أن لا تتبعني فدخلت ( لا ) لتنبئ عن هذا المعنى ، وهو منع الداعي دون منع الحائل . وقوله " أفعصيت أمري " صورته صورة الاستفهام ، والمراد به التقرير ، لان موسى كان يعلم أن هارون لا يعصيه في أمره ، فقال له هارون في الجواب " لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي " حين اخذ موسى بلحيته ورأسه . وقيل في وجه ذلك قولان : أحدهما - ان عادة ذلك الوقت أن الواحد إذا خاطب غيره قبض على لحيته ، كما يقبض على يده في عادتنا ، والعادات تختلف ولم يكن ذلك على وجه الاستخفاف . والثاني - انه أجراه مجرى نفسه إذا غضب ، في القبض على لحيته ، لأنه لم يكن يتهم عليه ، كما لا يتهم على نفسه . وقوله " إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل " معناه إني خفت أني أن فعلت ذلك على وجه العنف والاكراه أن يتفرقوا وتختلف كلمتهم ويصيروا أحزابا ، حزبا يلحقون بموسى وحزبا يقيمون مع السامري على اتباعه ، وحزبا يقيمون على الشك في أمره . ثم لا يؤمن إذا تركتهم كذلك أن يصيروا بالخلاف إلى سفك الدماء ، وشدة التصميم على أمر السامري ، فاعتذر بما مثله يقبل ، لأنه وجه

--> ( 1 ) سورة 7 الأعراف آية 11 .